عبد السلام احمد الراغب

27

وظيفة الصورة الفنية في القرآن الكريم

كما بيّنا آنفا . فهو في « أسرار البلاغة » يتحدث عن « بناء الصورة » ودور العقل في تشكيلها أحيانا . فالاستعارة أنواع ، منها ما يكون الشبه مأخوذا من الصور العقلية كاستعارة النور للبيان والحجة ، والصراط للدين ، وهذا اللون هو من صميم الاستعارة « 33 » . كما يتحدث عن الصور الحسية في أثناء حديثه عن التشبيه والتمثيل والفروق بينهما ، ويقف عند تفصيلات الصورة الحسية بأنواعها مثل اللون والهيئة والحركة ، والصوت ، والذوق ، واللمس . . . إلخ « 34 » . ونحن نجد النقد الحديث يعنى بدراسة الصورة الحسية ودلالتها على اتجاه الشاعر أو الأدب ، فهناك الشعراء يكثرون من الصور البصرية ، وآخرون يميلون إلى الصور السمعية وهكذا . والجرجاني في حديثه عن الصور العقلية ، والصور الحسية ، كان قصده أن يبيّن عناصر تشكيل الصورة ، وطريقة بنائها ، فمرّة تعتمد الصورة على العقل في تشكيلها ، وأخرى على الحواس المعروفة ، ولم يكن الجرجاني يهدف إلى تقديم مفاهيم جديدة للصورة كما ذهب إلى ذلك الدكتور محمد إبراهيم شادي « 35 » . ويرى الدكتور أحمد دهمان أن الجرجاني « لم يستخدم مصطلح الصورة استخداما واحدا في كتابيه ، فأحيانا يشير به إلى التقديم الحسي للمعنى ممثلا بالاستعارة والكناية والتمثيل ، وأحيانا يشير إلى الشكل العام للكلام وطريقة الصياغة » « 36 » . وهذا الرأي الذي توصّل إليه الدكتور دهمان غير دقيق ، لأن مفهوم الصورة عند الجرجاني واحد ، وليس متعددا كما أشار الدكتور محمد شادي من قبل أو يدور حول مدلولين أو مصطلحين كما فهم الدكتور دهمان فنحن حين نقرأ تحليل الجرجاني لبعض آيات القرآن أو بعض الأشعار ، لا نحس بهذه الازدواجية في مفهوم الصورة بل نحس بالمفهوم الواضح المميّز للصورة . ففي قوله تعالى : وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً مريم : 4 نجد الجرجاني

--> ( 33 ) أسرار البلاغة : ص 49 . ( 34 ) المصدر نفسه : ص 71 - 72 . ( 35 ) الصورة بين القدماء والمعاصرين : ص 30 . ( 36 ) الصورة البلاغية عند عبد القادر الجرجاني : ج 2 ص 626 .